الحارث المحاسبي

167

الرعاية لحقوق الله

بالعمل بجوارحهم بما كره اللّه عزّ وجل ، من لحظة بعين ، أو إصغاء بأذن ، أو مدّ بيد ، أو خطوة برجل ، ثم تيقظوا وفزعوا ، وخافوا اللّه عز وجل ، قبل أن يتمّوا ما كره اللّه عز وجل من العمل ، كالعين يلحظ بها ، ثم يذكر اطلاع اللّه عز وجل عليه وأن اللّه يسائله عنها أو يخاف أن يغضب عليه ، فيصرف بصره قبل أن يستتم من النظر ما أراد وأحب ، وكذلك يصغى بسمعه ليستمع إلى ما يكره اللّه عز وجل ، ثم يذكر اللّه عزّ وجل ، فيصرف سمعه عن ذلك ، ويترك ما أحبّت نفسه خوفا من اللّه عز وجل ، من قبل أن يستتمّه ؛ وكذلك يبتدئ بالقول واللسان ، ثم يذكر اللّه عز وجل ، فيقطع كلامه ولا يتم ما أراد منه ؛ وكذلك يمدّ اليد ، ثم يذكر اللّه عزّ وجل ، فيكفّها عما كره اللّه عز وجل ، قبل أن يستتمّ ما أراد ، وكذلك يخطو بالقدم ثم يذكر اللّه عزّ وجل ، فيقف ويترك المشي إلى ما كره اللّه عز وجل ، قبل أن ينال تمام ما أراد من ذلك ، لعلمه بعلم اللّه عز وجل ، ونظره إليه ، فإن ذلك عليه محصيّ ؛ لأنه قد سمعه يقول سبحانه وتعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً « 1 » . يحذرهم اطلاعه ، ويبعثهم على الحياء منه والهيبة ، والإجلال له والرهبة منه ، ثم قال تعالى : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ « 1 » . روى عن الحسن أنه قال في تفسير ذلك : حين تبدأ في العمل يراك اللّه عزّ وجلّ . فأخبرنا أنه يعلم ما نعمل ، ويرانا حين نبتدئ فيه وقبل ذلك ، ولكن أراد أن يستحي منه لعلمه بذلك ، فلا يفيض فيما كره ، فإن أفاض فيه ثم ذكر

--> ( 1 ) يونس : 61 .